
قبل سنوات ــ يا دام
سعدكم ــ طلعت علينا وزارة التربية والتعليم بطلّتها البهية , لتخبرنا انها
اكتشفت ان المناهج المدرسية قديمة وبالية , ولم تعد صالحة لتلبية متطلبات
جيل هذا العصر . استبشرنا نحن المعلمون خيرا وقلنا : والله هذا شيء طيب ,
والمطلوب !؟ قالوا : دورات تدريبية وورشات عمل مكثفة لكافة المعلمين
لتدربهم على المناهج الجديدة والتي هي قيد الطباعة واساليب تدريسها , بواقع
120ساعة تدريبية . وفعلا اقيمت ورشات عمل في كافة انحاء المملكة , صرفت
عليها الملايين للمشرين والمراقبين والقائمين عليها , وحرم المعلمون من
بركاتها , وقيل لهم : يكفي اننا نرفدكم بالخبرات , واكتفوا بصرف ساندوشة
فلافل لكل منا مع كوب من الشاي , خلال ور شة تبدا الساعة الثامنة وتنتهي
عند الثانية بعد الظهر يتخللها استراحة الساندوشة من (10 ــ 10.30) , هذا
ايام العطلة الرسمية ( السبت) , وقبلنا على مضض من اجل طلبتنا . وجمعت
ملايين النسخ من المناهج التي اصبحت قديمة من المدارس وباعتها الوزارة
بالبخس الى مصانع تدوير الورق , ليخلوا المكان لملايين النسخ الجديدة من
الكتب المدرسية , تماما كما تجمع اوراق النقد القديمة , وتحرق امام اعين من
يتحرقون متنين نيل بعض فتاتها .
المهم ــ يا دام سعدكم
ــ اقيمت الورش على عجل ودونما اعداد مسبق , فوقع المشرفون في حرج شديد
امامنا اكثر من مرة , بسبب ان المادة التدريبية كانت تصل من الوزارة كل يوم
بيومه , وتتأخر احيانا الى ما بعد انعقاد الورشة . اضافة ان بعض البرمجيات
لم تفتح بسبب خلل في البرمجة , مما دعي احد مشرفينا ــ الله يذكره بالخير
ــ ليقول والله وزارتنا تتعامل معنا على راي المثل : ( شغل امي لكنتها) .
استغرقت الدورة فصلا كاملا , حشيت فيه ادمغتنا بمصطلحات
كثيرة ,عرفنا بعدها اننا كنا نطبّقها في حصصنا اليومية امام طلبتنا , دون
الالتفات الى المسميات المترجمة , والمصطلحات الطنانة . منها العملية
التعليمية التعلمية , تفريد التعليم والفروق الفردية , العصف الذهني
والتغذية الراجعة وغيرها , والذي يقهرك في الامر ان هذه المناهج وبعد
تطبيقها , وتغيير اساليب التحضير لها عدة مرات , اكتشفت الوزارة بعد ذلك
فشلها , مما جعلها تعيد صياغتها عدة مرات خلال الاعوام الماضية , اخرها
الذي مازال موضع جدال بين الوزارة والميدان وبالتالي فرضته بقوة القانون .
ستسالون ــ دام عزكم ــ ما الذي ذكرني بها اليوم , ولماذا
تقليب المواجع ونحن بعد ان خضنا غمار الانتخابات البلدية العتيدة , سأقول
لكم وامري الى الله : تذكرت وانا اراقب سير العملية الانتخابية مصطلح
التغذية الراجعة , والذي صدّعوا رؤوسنا بالتركيز عليه ابان تلك الدورات ,
ثم لم يأخذوا هم انفسهم به , ولم يستفيدوا من التجارب السابقة .
المقصود بمصطلح التغذية الراجعة : الملاحظات التي تأتي من الميدان
بعد تطبيق نظرية او قانون او نظام على ارض الواقع , للاستفادة من هذه
الملاحظات وتلافي السلبيات , وعدم التمادي في فرضها , تماما كما حصل مع
طلبتنا عندما وقعت الفأس بالراس , بعدما ضُرب عرض الحائط بكل الملاحظات
التي وردت من المعلمين اثناء تطبيق الذي اختزل منهاج اللغة العربية لطلبة
الصفين الاول والثاني الثانوي العلمي الى كتيب هزيل سمي مهارات اتصال ,
انتج جيلا يرسب في الجامعات في امتحان مستوى للّغة العربية , وكما يحصل
الان ايضا مع طلبة الصف الاول الاساسي من تعليم حروف لغتين في وقت واحد ,
فيصبحون كالغراب الذي اراد ان يتعلم مشية الحمامة فلم يتقنها , وعاد الى
مشيته فوجد نفسه قد نسيها .
يقول الحق جل في علاه (تأمرون
الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ) . هذه الآية
تنطبق تماما على حكومتنا الرشيدة واخواتها السابقات , حيث انها لم تستفد ــ
تماما كابنتها وزارة التربية والتعليم ــ من التغذية الراجعة من
الانتخابات السابقة , فقد لاحظت الحكومة في الانتخابات البرلمانية و
البلدية احجام الناس وعزوفهم عن المشاركة فيها , خاصة في محافظات الوسط
التي بلغت نسبتها في الانتخابات البرلمانية السابقة 25 % , وفي هذه
الانتخابات البلدية 17% في العاصمة و19% في الزرقاء , و مع انها تعرف
الاسباب الحقيقية لهذا الاحجام , المتمثل في عدم رضاهم عن قانون الانتخاب ,
ويأسهم من التغيير , و نظرية النسبية والدوائر الوهمية في الانتخابات
السابقة اكبر دليل على ما ذهبت اليه , بحيث ترى شخصا في الدائرة حصل على
2000 صوت ونجح , ومرشح اخر في نفس الدائرة حصل على 5000 صوت ولم ينجح . ولم
الحكومة تحرك ساكنا , كأن لسان حالها يقول : هذا قانوننا ! والذي لا
يعجبه يضرب راسه بالحائط , او يشرب البحر, لن نغير ولن نتغير , وسيفوز في
النهاية من نريد شئتم ام أبيتم . اضافة الى الاداء الهزيل اهذه المجالس
على ارض الواقع , وتماهيهم مع ما تريد الحكومة , سعيا وراء مطالبهم الخاصة
, لتعبئة جيوبهم وتعويضها عن خسائر الدعايات الانتخابية .
وبعد
ــ يا حبايب قلبنا ــ فقد جرت الانتخابات وانتهت حملات الدعاية , التي
واكبها الانفاق بسخاء على المناسف في المضائف , والمحليات والمسليات
والتسحيج والتطبيل , نافق اناس , وسقطت الاقنعة عن كثيرين . ونجح من نجح
وخسر من خسر , ولكن الخاسر الوحيد في هذه الحملة هو الوطن , الذي يكاد يجزم
ان شيئا لن يتغير , وما انفق على الدعايات الانتخابية سيدفع ثمنه من قوت
عياله , وجيوب فقرائه ان بقيت لهم جيوب . طبتم وطابت اوقاتكم .