الخميس، 29 ديسمبر 2016

الغربال... بقلم على الشافعي

في موروثنا الشعبي ــ يا دام سعدكم ــ مثل مشهور : ( اللي ما بشوف من الغربال اعمى) . ولنتوقف قليلا عند المثل , حيث ان الكثير من ابنائنا ما سمعوا بالمثل ولا يعرفون الغربال , وما راوه اصلا . لعدم الحاجة اليه هذه الايام , فالبركة في قمح العم سام الذي اغنانا عن فلاحة الاض , وبالتالي عن استخدام الغربال . فالغربال ــ ايها الاحبة ــ : أَداةٌ من صنع الفلاحين تشبه الدُّفَّ ذات ثقوب كبيرة كثيرة ، يُنَقَّي بها الحَبُّ وخاصة القمح من الشوائب كالحصى والاتربة والزوان ، ويعني المثل : إذا لم تستطع أن ترى من ثقوب الغربال فأنت أعمى . والمقصود به : "لا يمكنك أن تصر على صحة وجهة نظرك في شيء , كل الدلائل تؤكد عكس ما تقول . واللفظة آرامية الأصل وجمعها غرابيل وبها تكلمت العرب قديماً قال الحطيئة :
أغربالاً إذا استودعت سراً *** وكانوناً على المتحدثينا
الغربال او المسرد اذن الة تدل على الخير , ايام ان كان الناس يأكلون من فؤوسهم و خير ارضهم , كانوا يزرعون القمح ويحصدون ويدرسون بواسطة اللوح , ويذرون ثم يغربلون , قبل الذهاب بالقمح الى المطحنة , يومها كانت آراؤهم من رؤوسهم , كما يقال في المثل : ( من كان اكله من فاسه كان قوله من راسه) . لكننا اليوم رهنا فؤوسنا فرُهنت روسنا . وبمناسبة الفأس والراس والكرك فيقال ــ والعهدة على من قالوا ــ انه في عهد الدولة العثمانية كانت منطقة الكرك تنتج من القمح ما يكفي الدولة بكاملها . واليوم لا يوجد في مراكزها الامنية من السلاح والذخيرة ما يتصدى به شباب الامن والدرك الاشاوس لشرذمة مارقة , خرجت على قانون السماء قبل خروجها على قوانين الارض .
ويقولون ايضا ــ يا دام سعد ابائكم ــ : الصحة تاج على رؤوس الاصحاء لا يعرفه الا المرضى . اما انا فأقول : بل الامن قبل الصحة , فالأمن تاج على رؤوس الامنين لا يدركه الا من فقده , والدليل شاهد امام اعيننا فيما يجري من حولنا , ادام الله علينا نعمة الامن والامان . اقول لكم ببساطة من يصاب باي الم يستطيع خلال دقائق ان يصل الى المستشفى , فيتلقاه الاطباء والممرضون بالإسعافات اللازمة , ويحاولون التخفيف عنه ويعطونه اولا ما يسكن الالم , ثم يشخصون المرض ويعالجونه . اما اذا فقد الامن لا قدر الله فهل يستطيع اصلا ان يصل الى المستشفى , فضلا عن الخروج من البيت . تصوروا كم من مريض سيموت اذا فقد الامن . انظروا حولكم لتدركوا نعمة الامن . فالذي لا يرى من الغربال اعمى .
اثبتت الاحداث الاخيرة في كرك العزة والفخار والشهامة والنخوة , انه لا توجد عندنا ازمة شجاعة ونخوة وشهامة , فهي متوفرة عند الصغير والكبير , الرجال والنساء ان تطلب الامر , الكل مستعد لقديم روحه فداء للوطن , هي تجلى ذلك في اللحمة العظيمة بين الشعب وافراد القوى الامنية والدرك , في وجه هذه الشرذمة المارقة , ولكن الازمة الحقيقية عندنا ازمة روتين قاتل , من الجالسين على المقاعد الفارهة في المكاتب الفخمة الضخمة , اصحاب الالقاب الكبيرة التي لا يستطيع المواطن الذي يضحي بروحه فداء للوطن , ان يراها الا عبر التلفزيونات المطبلة لهم , والمسبُحة بآلائهم , اناء الليل واطراف النهار . بضحي هؤلاء ليبقى اولئك على كراسيهم وفي مكاتبهم . ثلاثة عشر شابا في عمر زهور هذا الوطن النادرة , بعضهم تنتظره زوجته وابناؤه , نهاية الاسبوع متحلقين حوله حاملين اسمه بكل فخر واعتزاز , والبعض الاخر تنتظره امه على احر من الجمر , لتزف له خير وقوعها على ابنة الحلال المناسبة . ثلاثة عشر شابا ذهبوا بسبب البيروقراطية المقيتة . والروتين القاتل . مركز امني ليس فيه من العتاد والذخيرة ما يدافع به عن مدينة بحجم الكرك ان تعرضت لاعتداء ارهابي . في رقبة من دم هؤلاء الشباب , من المسؤول ومن سيحاسب من .
اقول ــ يا دام مجد كل اقارب مسؤوليكم ــ ترى لو ان احد المسؤولين القابعين في المكاتب الفخمة في عمان , اراد ان يزور الكرك , كم سيارة شرطة وامن عام ونجدة ستسبق او ترافق موكبه الكريم . ثم سؤال اخر : اين الاعلام الرسمي عن الحادثة . ان عيابه وغياب التنسيق مع المسؤولين ولّد ارضا خصبة للتقولات والشائعات والتكهنات والتشويهات , غفي وقت الموطن شغوف لمعرفة ما يجري , يريد ان يقع على الحقيقة , خوفا من مما يجري حولنا , وعلى راي المثل (الملدوغ يخاف من جر الحبل ) , واللي ما بشوف من الغربال اعمى . طبتم وطابت اوقاتكم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق