كان ياما كان , في قديم
الزمان وسالف العصر والاوان , بنية صغيرة عمرها ست سنوات اسمها عيوش ,
تعيش مع امها وزوج امها , بعد وفاة والده البنية , كانت عيوش صبية جميلة و
وجها بشبه البدر ليلة تمامه , ينضح بالحيوية وحب الحياة , ضرب المثل
بشعرها فكان اهل القرية يقولون : (مثل شعر عيوش ما بتلاقوش) , كان اسود
شبيه الليل , سميك ومتهدل على كتفيها كتهدل شعر اذناب الخيل . تعيش في قرية
على تلتين متقابلتين , يفصل بينهما واد عميق كثيف الاشجار مليء بالوحوش
التي كانت لا تخرج الا ليلا , بحثا عن فريسة , او شاة ضلت طريقها وسط
الاشجار الملتفة , واشتهر بين الناس ما كانوا يطلقون عليه وحش الوحوش ,
الذي كان يصدر اصواتا مرعبة , وربما سطا على زرائب مواشي القرية والتهم بعض
حلالهم .
في يوم من الايام اشتاقت عيوش لرؤية جدتها , وقضاء
لية في احضانها . كانت الجدة تسكن في التلة الثانية من القرية , قالت
الام : يا ابنتي ! المسافة بعيدة والوقت عصرا , وبيننا وبين جدتك الواد
العميق , اخشى ان تتوهي في طرقاته فتغيب الشمس , فيخرج عليك وحش الوحوش
فتبيتي طعاما لأولاده . قالت الصغيرة : لا تخافي يا امي انا اعرف الطريق
جيدا , وسأقطع الوادي قبل الغياب . وافقت الام مكرهة تحت الحاح ابنتها
فملات لها سلة من خيرات البيت , فحملتها وانطلقت تقفز بمرح وتغني : جدتي يا
جدتي .
دخلت الصبية الصغيرة غابة الوادي لكنها تاهت في
مساربها , نظرا لكثافة الاشجار والتفافها , فادركها المساء , فخافت وتقرفصت
خلف شجرة كبيرة , ظنا منها انها ستحميها من وحش الوحوش الذي ما لبث ان شم
رائحتها فادركها وامسك بها , وقال : انت طعام اولادي هذه الليلة رغم انك
صغيرة ونحيفة , لكن لا بأس يتقوتون بك , لحين اجد ما يشبعهم , قالت
وفرائصها ترتعد : ايها الوحش الطيب انا فتاة صغيرة , اذا اكلتني لا اشبعك
,ارحمني واوصلني الى جدتي . فال : لا فأولادي جياع , اريد ان اشبع بطونهم .
قالت عيوش : ما رايك ان توصلني الى بيت جدتي وانا اضمن لك شاة سمينة من
عندها , طمع الوحش بالشاة السمينة , فوافق على عرضها واوصلها الى بيت الجدة
. نادت عيوش : جدتي جدتي انا عيوش , معي وحش الوحوش افتحي , واعطني شاة
لأعطيها له ليطلق سراحي . ردت الجدة من الداخل : اين انت من عيوش ؟ عيوش
الان في حضن امها نائمة , انت اكيد وحش الوحوش تقمصت صوت عيوش . وعبثا
حاولت الصبية اقناع الجدة , فنفذ صبر الوحش وجرها من شعرها نحو الغابة .
استجمعت الصبية قواها مرة اخري , وطلبت منه ان يوصلها الى بيت امها هذه
المرة وتضمن له الشاة السمينة , وافق مرة اخرى طمعا بالشاة فأوصلها الى
بيت امها , فنات : امي امي انا عيوش , معي وحش الوحوش افتحي , واعطني شاة
لأعطيها له ليطلق سراحي . ردت الام من الداخل : اين انت من عيوش ؟ عيوش
الان في احضان جدتها , لا اصدقك , انت اكيد وحش الوحوش تقمصت صوت ابنتي
عيوش . قال الوحش : أرأيت ؟ لم يصدقوك ولم يكلفوا خاطرهم النظر من خرم
الباب . قالت والياس بدا يدب في اوصالها : لنحاول مع عمتي ارجوك , ذهبت
الى عمتها وطلبت نفس الطلب وتلقت نفس الاجابة . قال الوحش : قلت لك لن
يصدقوك , يكفي فقد نفذ صبري . قالت : محاولة اخيرة ارجوك ولن تخسر شيئا ,
اوصلني لبيت خالتي , قال هذه فرصتك الاخيرة , اما ان تصيب واما ان تخيب .
وقفت عيوش على باب الخالة ونادت بصوت متهدج يجهش بالبكاء : يا خالتي ! انا
عيوش , معي وحش الوحوش افتحي , واعطني شاة لأعطيها له ليطلق سراحي . ردت
الخالة : اين انت من عيوش ؟ عيوش الان في احضان امها , لا اصدقك , انت
اكيد وحش الوحوش تقمصت صوت ابنة اختي عيوش . عند ذلك لم ينتظر الوحش
وسخبها الة مغارته في الوادي .
في الصباح لم تعد عيوش ,
تعالى النهار ولم تصل , خافت الام على ابنتها وساورها القلق فانطلقت الى
بيت الجدة تسالها عنها . قالت الجدة لم تأت ولكن سمعت في الليل صوت الوحش
يقول : انا عيوش , فحسبت انه يخدعني لأفتح له , وانا عجوز لا اقوى على
مقاومته . قالت الام هذا والله صوت عيوش الذي سمعت , فانطلقت على غير هدى
الى الغابة تبحث عنها على امل ان تجدها , لكنها وجدت شعرها منفوش وملابسها
ممزقة في قعر الوادي . فجلست تصيح وتولول : يا حسرتي على بنتي عيوش وعلى
شعرها في الوادي منفوش . سمعها الوحش فتناولها , فكانت وجبة مشبعة .
في اليوم التالي ساور الجدة القلق على ابنتها وحفيدتها ,
فانطلقت الى الوادي فوجدت شعور ابنتها وحفيدتها ,فجعلت تولول وتصيح :
حسرتي على عيوش وام عيوش , شعورهم في الوادي منفوش , سمعها الوحش فتناولها
ايضا , في اليوم الثالث ذهبت العمة لاستطلاع الامر فلم تجد عيوش ولا امها
, فانطلقت ايضا نحو الوادي فوجدت شعور عيوش وامها وجدتها , فأخذت تصيح
وتولول فكان مصيرها كمصيرهن , وهكذا حصل مع خالتها فكان مصيرها كسابقاتها .
وما زال افراد العائلة يذهبون واحدا واحدا , الوحش يلتهم فردا فردا واكوام
الشعور والملابس الممزقة تتكدس حتى ملأت جنبات الوادي . وطار الطير والله
يمسيكم بالخير .
ويقال ـ يا دام سعدكم ــ ان الوحش تعاقد مع
قرية مجاورة ليدفن فيها النفايات السامة , حفاظا على بيئة نظيفة في الوادي
. فهمكم كفاية . رحم الله الشهيد بن الشهيد احمد نصر جرار . طبتم وطابت
اوقاتكم

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق