كلما رآني بشاربه الكَّثْ ومحياه المُتغضن العجوز الذي يحمل جسد شابٍ قوي
رغم أنهُ على مشارف الإحالة إلى التقاعد وبلهجته الريفية المُحَببة إلى
نفسي وأنا داخل إلى قسم الشُرطة بصفتي أهم مُحرر صفحة حوادث فى هذا
الجورنال الشهير والذائع الصيت وكل ضباط الشرطة فى القسم يتوددون لي بصفتي
صاحب قلم لهُ وزنه فمن يمُر إسمه تحت طائلة قلمي يلتمع في آفاق الشُهرة
عند أولي الأمر فصحيفتنا هي الأولى والمُهيمنة على أنحاء القُطر كله بل فى
جميع الأقطار العربية حتى أنني قد عُرِضَ علىَّ رئاسة تحرير جريدة
ثقافية مُستقلة ورفضتُ مُكتفياً برئاستي لقسم تحرير الحوادث فالكل يعرفني
وذا نفوذ في وزارة الداخلية ومكتب السيد الوزير مفتوحٌ أمامي ومن خلال
نفوذي أخدم الكثير حتى أنني المُستشار الرئيسي لرئيس مجلس إدارة صحيفتنا
فالكُل يتحاشاني..نادى علىَّ الصول شماشرجي السلاموني وأنا على باب قسم
الشرطة : فين ياأستاذ كمال ؟ يقصد المعلوم أو قهوة الصباح ..فضحكت وقلتُ :
هو كل يوم ياشماشرجي ؟ قال لي ضاحكاً : ربنا مايقطع لك عادة ياأستاذ كمال
ياحبيبنا ... فأحرجنى فلقمتهُ علبة سجائري المارلبورو وهى تكاد تكون كاملة
ثم سألتهُ : هو حسام بيه موجود في المكتب ؟ قال لي : موجود ومستني حضرتك
من بدري..فدخلتُ وألقيتُ بتحية الصباح على الموجودين في القسم من أعرفهم
ومن لا أعرفهم والتقطني عسكري الدرك القصير علواني وهو يلهث حتى يلحقني :
أستاذ كمال ..أستاذ كمال ...نعم ياعلواني بعدين بعدين ألحق حسام بيه وأجي
لك أفضىْ لك واقعد معاك واسمعك ..فقتلتُ لهفته بإبتسامة مُشجِعة ليطمئن...
ثم طرقتُ باب حجرة المقدم حسام بيه نائب المأمور فقد كان صديقي في المدرسة
الثانوية وتوطدت علاقتنا بحُكم العمل المُشترك بيننا فهو لا يذهب
لمأمورية ضبط إلا إذا أنبأني لأكون هناك معه وقد أسبق قبله لأمارس عملي
الصحفي من تصوير وتحرير الوقعة محل الضبط وأحياناً مع وجود الطبيب
الشرعي لو كانت هناك جريمة قتل وطاقم المعمل الجنائى وذلك ليلاً أو نهاراً
فأنا تقريباً خارج المنزل طيلة اليوم ولا أذهب إليه إلا فى ساعةٍ مُتأخرةٍ
من الليل مُنهكاً بصفتي عازباً وعازفاً عن الزواج لقناعاتٍ عدة بسبب ما
رأيتُ من أهوال فى علاقات البشر وسلوكياتهم فأفقدني الثِقة فى أن أبحث عن
إمرأة للزواح واكتفى بمُزاملة أُمي العجوز فى شقتنا الكبيرة ذات الغُرف
الخمسة والرياش القديم والتي تُباشر شئون إبنها المنزلية والتى لا تكاد أن
تراه ساعة من نهار..قال لي حسام بيه الدندراوي : فين الصور ياراجل بتاعة
قضية قتل كافتيريا عنكيب التي في وسط البلد؟ فأخرجتها من حقيبتي التي أحتفظ
فيها بأشيائي الثمينة وأعطيتها له وكانت هذة الجريمة في وقت مُتأخر من
ليلة أمس حيث وجدنا القتيل شابٌ مُضرجٌ في دمائه ومُسجى علي بطنه وبجواره
تليفونه المحمول ونظارته الشمسية الفاخرة وتتدلى من رقبته سلسلة ذهبية
سميكة ويُزين أصابعهُ خاتمان ذهبيان وبإستدعاء صاحب الكافتيريا أقرَّ بأنهُ
لم يُشاهد شئ إلا جلبة وصراخ وهرج ومرج وناس تفِر من باب الكافتيريا ولم
يبق إلا العُمال والموظفين وبسؤاله عما إذا كان بصُحبة القتيل أي فتاه
فأقرَّ نادل الكافتيريا بأنهُ كان بصُحبته فتاة شقراء إختفت فجأة في الزحام
والصخب وكان هناك بعض الشباب يتراشقون بالكلمات مع ذلك الشاب القتيل وتلك
الفتاة ثم حدثت مشاجرة بالأيدي أعقبها طلق ناري علي القتيل ولكنه لم
يُشاهد بالضبط من أطلق النار من مجموعة الشباب..ثم جاء المعمل الجنائي
والطبيب الشرعي ورُفعت البصمات من مكان الحادث وسيقَ كل من في الكافتيريا
إلى قسم الشُرطة لأخذ أقوالهم وجاءت سيارة ونقلت جُثة المجني عليه إلي
المشرحة وأُقفلت الكافتيريا بالشمع الأحمر إلى حين نهاية التحقيق
..وتصَّدرت هذة الجريمة البشعة صدر الصُحف الصباحية وخاصة صدر صفحة صحيفة
الصباح الخاصة بصاحبنا الأستاذ كمال...قال لى حسام بيه وهو يمسك رأسه بيده :
والله ما نمت ساعتين ياكمال ودماغي مصَّدعه أوي ..فرددتُ عليه : ومين سمعك
ياحسام بيه ..فأردفَ : أنا هاشرب قهوه علشان أفوق النهار لسة طويل وفيه
شُغل كتير...ثم سألني تشرب قهوة ؟ فقلتُ ضاحكاً : وهىَّ دي عاوزة سؤال
...أشرب قهوة دوبل علشان أفوق امامنا عمل طويل ولسة رايح الجريدة أَبَّيضْ
الحادث وأحُط الصور إللي تعجبك وكالعادة سنكتب أسماء كل حبايبنا في
القضية من السادة المديرين ومساعدي الوزير... فقال لي الضابط : طبعاً
ياأستاذ كمال ولا أُوصيك أن تُضَّبط إسمي بشكل بارز في هذة الكوكبه حتًى
أحصُل على رُتبة عقيد ياصديقي...فرددتُ : طبعاً ياحسام بيه إسمك أول إسم
فأنت صاحب السبق وسأذكره مرات كثيرة فلا تقلق..بُكرة إن شاء الله وأكون
جَّمعت بعض المعلومات منك ..قال لي حسام بيه : أى معلومات تعوزها خُذها من
كاتب المحضر الأمين توفيق...وأنا خارج من باب القسم عرِجتُ على العسكري
علواني وسمعتُ منهُ شكايته وعلِمت أنهُ يُريد مني أن أتوسط لنقله عند مأمور
القسم الذي يتعنت في نقله إلي بلده لظروفه العائلية الصعبة وقِلة راتبه
الذي يوَّزعه بين هنا وهُناك ثم وعدتهُ خيراً وأنا خارج من باب القسم
إستوقفني الصول شماشرجي السلاموني وقال لي : والنبي ياأستاذ كمال أنا كنت
معاكم إمبارح في قضية الشاب المقتول فى كافتيريا عنكيب وفى البلد بتباهى
بوظيفتي وبقول لهم أنا بعاين جرائم القتل والقضايا الكبيرة مع مساعدي
الوزير ولا أحد يُصدَقني ..نِفسي مرَّة ياأستاذ كمال تكتب إسمي في
الجورنان يقروه أهل البلد قبل ما أطلع معاش وابني ومراتي يشوفوا إسمي في
الجرايد شماشرجي السلاموني..فقُلتُ ضاحكاًً : مينفعشي ياعم شماشرجي إنت
عارف القواعد.. فقال بإلحاح : والنبي علشان خاطري المرة دي وفي الجريمة دي
ويمكن تكون آخر حاجة واطلع معاش ...فقُلتُ ضاحكاً : آخر حاجة ...ياريت يعم
شماشرجي وهي الناس يعني هتبطل شر ياريت يسمع منك ربنا ونرتاح من اللف
والدوران إنصاص الليالي أنا وحسام بيه..داإحنا خسينا النُص ياراجل من
الهَّدة والتعب ...ثُم فكَّرتُ مَلِياً وهززتُ رأسي بالمُوافقة : خلاص
ياعم شماشرجي ..هانَّزِل إسمك مع مُساعدي الوزير...وكاد الرجل أن يُقَّبل
يدي ..ثم ذهبتُ إلي الجريدة وأخذتُ أُبَّيض الموضوع اّولاً في مكتبي
وطلبتُ فنجالاً مصحصحاً من القهوة التركي حتي أخرج بديباجة جيدة جداً
تُرضي جميع الأطراف وكان من ضمن ماكتبتُ ..وانتقل إلي موقع الحادث السادة
ضُباط القسم تحت إشراف السيد العميد فلان الفلاني رئيس شُعبة البحث
الجنائي وقادَ فريقُ البحث المُقدم حسام الدندراوي رئيس مباحث القسم طبقاً
لتوجيهات السيد مدير أمن المحافظة والسادة مُساعدي الوزير ورِفقة مساعد
أول شماشرجي السلاموني..و..
وذهبتُ إلي رئيس تحرير الجريدة للإطلاع على الموضوع والمُوافقة على النشر ...وفي صباح اليوم التالي شغلت جريمة قتل كافتيريا عنكيب الرأي العام وتُخطِفت الجرائد المحلية الصباحية وكانت أحاديث المقاهي والمُنتديات بين الناس فيما كُنتُ أنا فى طريقي إلي قسم الشرطة لأستطلع الأنباء وأرى وقع نشر خبر الجريمه على وجه صديقي الضابط حُسام وعندما وصلتُ إلى باب القسم وهَممتُ بالدخول قال لي العسكري الواقف على باب القسم: كَّلِم الصول شماشرجي عاوزك هناك ..فالتفتُ وقُلتُ : فيه إيه تاني ياعم شماشرجي...فأطرق الرجل ورأسه في الأرض وعيناه لا تلتقيان بعيني وقال هامساً : إنت ممنوع من دخول القسم ياأستاذ كمال ؟ فصرخت فيه قائلاً : بتقول إيه ..مش معقول ..إيه السبب؟ فقال شماشرجي وهو ما زال ينظر إلى الأرض حياءً مني : علشان سيادتك لم تكتب إسم السيد العميد مأمور القسم معنا وكتبت إسمي مع مُساعدي الوزير ..وأحسستُ ان الرجل كان يكتُم ضحكة داخلية كانت على وشك الإنفجار ...فسألتهُ غاضباً : وما موقف حُسام بيه من هذة المهزلة ؟ قال لي شماشرجي : إنه حاول مع مأمور القسم من اجلك وقام بينهما شدٌ وجذب بسببك وأقام مأمور القسم الدُنيا
وأقعدها بسبب كتابة إسمي مع مساعدي الوزير ولم يُكتب إسمه وهو الضابط المسئول الذي وقعت الجريمة فى نطاق ضاحيته ..وتم تحويلي إلي التحقيق بسبب ذلك...فانفجرتُ فى الضحك وأنا أقول للصول شماشرجي ..مش قُلت لك ياحضرة المُساعد شماشرجي السلاموني ولم تُصدقني ... المياه لا تجري فى العالي.....! تمت بقلمي / محمد السعيد بصلة
وذهبتُ إلي رئيس تحرير الجريدة للإطلاع على الموضوع والمُوافقة على النشر ...وفي صباح اليوم التالي شغلت جريمة قتل كافتيريا عنكيب الرأي العام وتُخطِفت الجرائد المحلية الصباحية وكانت أحاديث المقاهي والمُنتديات بين الناس فيما كُنتُ أنا فى طريقي إلي قسم الشرطة لأستطلع الأنباء وأرى وقع نشر خبر الجريمه على وجه صديقي الضابط حُسام وعندما وصلتُ إلى باب القسم وهَممتُ بالدخول قال لي العسكري الواقف على باب القسم: كَّلِم الصول شماشرجي عاوزك هناك ..فالتفتُ وقُلتُ : فيه إيه تاني ياعم شماشرجي...فأطرق الرجل ورأسه في الأرض وعيناه لا تلتقيان بعيني وقال هامساً : إنت ممنوع من دخول القسم ياأستاذ كمال ؟ فصرخت فيه قائلاً : بتقول إيه ..مش معقول ..إيه السبب؟ فقال شماشرجي وهو ما زال ينظر إلى الأرض حياءً مني : علشان سيادتك لم تكتب إسم السيد العميد مأمور القسم معنا وكتبت إسمي مع مُساعدي الوزير ..وأحسستُ ان الرجل كان يكتُم ضحكة داخلية كانت على وشك الإنفجار ...فسألتهُ غاضباً : وما موقف حُسام بيه من هذة المهزلة ؟ قال لي شماشرجي : إنه حاول مع مأمور القسم من اجلك وقام بينهما شدٌ وجذب بسببك وأقام مأمور القسم الدُنيا
وأقعدها بسبب كتابة إسمي مع مساعدي الوزير ولم يُكتب إسمه وهو الضابط المسئول الذي وقعت الجريمة فى نطاق ضاحيته ..وتم تحويلي إلي التحقيق بسبب ذلك...فانفجرتُ فى الضحك وأنا أقول للصول شماشرجي ..مش قُلت لك ياحضرة المُساعد شماشرجي السلاموني ولم تُصدقني ... المياه لا تجري فى العالي.....! تمت بقلمي / محمد السعيد بصلة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق