الثلاثاء، 21 فبراير 2017

احرث وادرس .. بقلم علي الشافعي



مثل شعبي ــ يا دام سعدكم ــ اشتهر في الاردن وفلسطين ( احرث وادرس لعمك بطرس) , ويضرب لمن يتعب ويجتهد ويبدع في عمله ، ولكنه لا يجني ثمار أتعابه ، وإنما يذهب جهده وتعبه وثمرة عمله لغيره . وبطرس هذا رجل مُرابٍ عاش في اواخر عهد الدولة العثمانية , كان يتنقل بين قرى جنوب الاردن وفلسطين , يقرض القرويين اثمان البذور والاعلاف للمواشي ، ثم يأخذ محاصيلهم عند الموسم بأسعار بخسة , لا تكاد تفي ديونهم . وكان يبصِّمهم على اوراق ليكتشفوا انه بموجبها تؤول ملكية اراضيهم اليه في حال عجزهم عن سداد الدين . ومن شاهد مسلسل او فلم (وجه الزمان ) يدرك كيف يحتال هؤلاء المرابون على الناس للاستحواذ على اراض الفلاحين . وبغضّ النظر عن المسميات , فلكل قرية بطرسها فمرج ابن عامر وهو سهل شاسع من اخصب اراضي الشمال الفلسطيني آل بنفس الطريقة الى مراب لبناني الاصل تركه لليهود وهرب عند اول هزة .
اما الذي ذكرني بالمثل فوجه الشبه بين حكوماتنا الرشيدة المتعاقبة والعم بطرس , كيف ذلك ــ يا دام مجدكم ــ ؟ سأقول لكم بعد ان تصلوا على سيدنا رسول الله :
حددت حكومتنا الرشيدة خط الفقر في الاردن ب500 دينار , وبينت دراسة لها ان 52% من الشعب الاردني مداخيلهم تحت 400 دينار , وان حوالي 20% يعيشون حول هذا الخط , اي ان حوالي 70% من الشعب يعيشون اما تحت او على هذا الخط . ولنبدأ القصة من الصفر , لنرى هل فعلا اننا نحرث وندرس لحكوماتنا الرشيدة , صاحبات الايدي المديدة .
من بريد شراء قطعة ارض لإقامة بناء متواضع يأويه وعائلته , فهو يدفع ما قيمته 10% من قيمة الارض المبالغ اصلا في ثمنها , مقابل سند التسجيل . علما انه في السابق كان المبلغ مناصفة بين البائع والمشتري , اما اليوم فقد ضغط لوبي المالكين الكبار على الحكومة , فشرعت قانونا يلزم المشتري وحده بدفع النسبة كلها .
عند البناء يحتاج الى ترخيص , وهنا تستوفي الحكومة ممثلة في البلديات مبلغ دينار ونصف عن كل متر بناء . فمن اراد بناء ما مسطحه 200 متر يدفع رسوم ترخيص 300دينار اضافة الى المخططات التي تكلف عادة ضعف هذا المبلغ ينتهي من البناء مثقلا بالديون , فيكون بحاجة الى اذن اشغال لإيصال الماء والكهرباء والصرف الصحي للمنزل , وهذا له رسوم ايضا حوالي 100 دينارا اذا لم تكن هناك مخالفات , وكان واقع البناء مطابق للمخطط , بلا زيادة او نقصان , والا فهو بحاجة لدفع مخالفات , او السير بطرق الرشاوى للحصول عليه . عند توصيل الماء والكهرباء تتقاضى الحكومة مبلغ 200دينارعن كل عداد ماء , ومثلها للصرف الصحي , وحوالي 100دينار للكهرباء .بعد ذلك تقوم لجنة للتخمين فتخمن اجرة اشغال المنزل السنوية , لو كان مستأجرا فتفرض رسوما سنوية اسمها (ضريبة الابنية او المسقفات) بقيمة 12% . هذا ــ يا دام فضلكم ــ في المحافظات خارج امانة العاصمة . اما داخل حدود امانة العاصمة فلها حسبة اخرى , حيث يتضاعف هذا المبلغ اضعافا مضاعفة .اما الفواتير الشهرية ــ دام فضلكم ــ فحدث عنها ولا حرج : ففاتورة الكهرباء عليها ديناران رسوم تلفزيون , وديناران رسوم نفايات , وفلس الريف واجرة العداد وضريبة اضافية , تصل بالمجموع حوالي من خمسة الى عشرة دنانير شهريا . هذا قبل احتساب قيمة الاستهلاك الحقيقي للمنزل . اما فاتورة الماء فيضاف عليها قيمة هدر حوالي خمسة دنانير تذهب لبرك السباحة في الفل الراقية التي تهدر الاف الامتار المكعبة شهريا , يدفع الفقراء ثمن هذا الهدر , فمعظم هذه الفلل لا تركب عدادات اصلا . يذهب المواطن لشراء بطاقة الهاتف المدفوع مسبقا بقيمة دينار , فيشتريها بدينار 750فلسا , ويقال له ان مبلغ ال 750 فلسا تذهب رسوما للحكومة , رغم ان غالية دول العالم تباع فيها البطاقة بنفس قيمة الشحن , وتستوفى الرسوم من الشركة المشغلة , فانا اعرف في فلسطين المحتلة البطاقة المشحونة بعشرين شيقل تباع بعشرين , للمواطن وتستوفى الرسوم من الشركة المشغلة , وكذلك في دول الجوار .تريد ان نشتري سيارة سعرها في بلد المنشأ خمسة الاف تدفع انت عشرين الفا جمارك عليها هذا اضافة الى 25% من ثمن كل لتر بنزين تستهلكه السيارة , وكذلك قطع الغيار, والترخيص السنوي . ثم انت كمواطن تدفع حوالي 10% من قيمة كل سلعة تشتريها . والسؤال الان : اين يذهب كل هذا السيل من الاموال ؟ الداخل في خزينتها لتخرج علينا بعجز اضافي ستأخذه حتما من جيوبنا , بمباركة نواب الشعب الذين اوصلناهم بأيدينا الى القبة .وبعد ــ ايها السادة ــ هل ادركتم كيف يجّد المواطن ويكدح ويكابد , لتاتي الحكومة وبجرة قلم تستولي على رزق عياله , ليزداد الفقير فقرا والغني غنى . ثم تخرج علينا بعد ذلك لتقول : ان نسبة الانتحار بين الشباب قد ارتفعت في الاعوام الاخيرة , مستغربة ومتجاهلة السبب الحقيقي وراء عمليات الانتحار , رغم ان احصاءاتها تشير الى ان 40% من خريجي الجامعات لم يحصلوا على عمل يمكنهم من عيش كريم , بعد ان كلفوا اهاليهم مبالغ طائلة لتعليمهم .اقول: ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه عطل حد السرقة عام الجدب . وقال قولته المشهورة : " لا يأتيني عبد سرق ليأكل الا قطعت يد سيده , فإما ان يطعمه واما ان يعتقه " . وسؤالي الان : في الايام التي وصل بها المواطن لحد الانتحار او البحث في حاويات القمامة عن رغيف خبز , اذا سرق هذا المواطن ليطعم عياله فيد من التي يجب ان تقطع ؟ افتونا يا سادة وجزاكم الله خيرا . طبتم وطابت اوقاتكم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق