
أفاء علينا الغربٌ من ضمن خيراتهم , وبركات حضارتهم الراقية , تلك الفضائيات الهدارة التي تجوب سماء دول بني عرب المجيدة . والتي تجاوز عددها الالف , 90% منها قنوات ترفيهية واعلانية , بالإضافة الى القنوات المسبحة بحمد زعمائها ومديريها ومموليها وموجهيها , اما القنوات الاعلامية والاخبارية والثقافية فتعد على اصابع اليد. ومن يقلب القنوات الاعلانية , سيلفت نظره اعلان تكاد تجمع عليه تلك القنوات على كثرتها , في كل بلدان بني عرب (من ... الى ) وهو الاعلان التالي ( المعالج الروحاني فلان بن علان يعالج السحر ويطالع الابراج , ويعلم الغيب ويتنبأ بالمستقبل ويفك الحجب , ويخرج الجان ممن تلبسهم , ويداوي للحمل ويقرب الرؤوس بالحلال , ويشفي من السرطان وكل الامراض المستعصية) , ثم يضع رقم هاتفه للاتصال .
كثير من المثقفين اعتادوا اثناء تناولهم قهوة الصباح مطالعة الابراج , التي تفرد لها الصحف اليومية مكانا بارزا بين طياتها , للعالم الروحاني فلان متفائلين بما يجدون او متشائمين منه , وهو ما يسمى في الاسلام بالطيرة وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنها .
في مجالسنا ــ دام فضلكم ــ تدور احاديث من هذا النوع : الشيخ فلان في البلدة العلانية , ربنا فاتح عليه وكاشف عنه الحجاب , يأمر على الاسياد فيحققون له ما يشاء , ثم يروون قصصا عجيبة عن قدرته ومهارته , في شفاء حالات استعصت على الطب . واذا ما تتبعت الرواية وحاولت التثبت منها وجدتها رواية سماعية فقط . فتسمع مثلا فلان عُمل له عمل ودفن في قبر قديم , استطاع ابو البركات فكّه واحضاره عن طريق الجنّي الذي طبعا سيكافأ على عمله . فلان تلبسه جنّي , لدرجة انك قد تسمع ان فلانا تزوج جنية وعلانة تزوجها جني , وقد يصل خيال البعض لحد الانجاب . فالشيخ المكشوف عنه الحجاب استطاع اخراج الجني , وطرده الى الابد , كل ذلك طبعا بمقابل مادي او غير ذلك , وفهمكم كفاية بلاش نخوض في تفاصيل قصص راحت ضحيتها فتيات بريئات , ليس في قطر بعينه , بل الظاهرة منتشرة في كل ارجاء بني عرب المحسودين . جاءني مرة صديق من بلدة مجاورة , وطلب مني ان اذهب معه الى شيخ عندنا (مشهور بعمل التمائم والاحراز) , فوالداه مختلفان ووصلا الى طريق مسدود , وقد سمع عن هذا الشيخ انه يفك السحر ويعمل حجبا للتوفيق بين الازواج . قلت : انا اشك في سيرة الرجل كلها , وهو على خلاف مع اهل بيته , فكيف يوفق بين الناس , وعبثا حاولت ولكن دون جدوي , واخيرا ذهبنا , والطريف في الامر ان الوالدين انفصلا , فقلت له : أرأيت ! هذا الرجل مشعوذ , قال : الظاهر نحن لم نمْش حسب تعليماته .
هناك معتقدات تسللت الى عقول العامة نتيجة الجهل , ثم أصبحت بمرور الوقت حقائق لا يمكن اقناعهم بزيفها , اصلُها من المشعوذين والدجالين , ففي الاسواق تجد خرزة زرقاء على شكل عين , تشترى وتعلق في رقبة الطفل , او على الركوبة منعا للحسد . وان فلانه لها قرينة من الجن تقتل اولادها , الا اذا جمعت من عند كل فتاة بكر اسمها فاطمة قرشا , ثم تصاغ هذه القروش وتعمل منها اسورة يلبسها المولود الجديد .
تعرفون ــ يا سادة ــ ان الطب في بلادنا مهما بلغ من التقدم , يبقى عاجزا امام بعض الامراض المستعصية , فيجد هؤلاء المشعوذون والسحرة والكذابون ضالتهم في اجتذاب هذه الفئة من الناس بأساليبهم الخبيثة , وحيلهم والاعيبهم المتنوعة , التي كثيرا ما تنطلي على هؤلاء البسطاء , فيصدقون ويدفعون .
يشكو بعض الناس آلاما مبرحة في الساق , فيقال لهم هذا اسمه عرق النسا , ويوصف لهم معالج روحاني يذهبون اليه , فيقوم بعملية كي في مناطق محددة من الساق , والتي قد تُحدث مضاعفات لا تُحمد عقباها . الى هنا قد يكون الامر مقبولا , ولكن الذي ليس بمقبول ؛ ان يا خذ المعالج مقاس الساق . ثم يقول لك انه سيذهب لقطع جذر نبتة معينة بطول ساق المريض , ويعلقها عنده وبمجرد جفافه يبرا المريض , اتساءل وقد سمعتها من اكثر من واحد , اتساءل : ما علاقة ساق المريض بجذر النبتة . عجبي !! معتقد اخر يقول اذا ظهرت عند احدهم ثآليل في جسمه : احضر حبة باذنجان ثم اغرز فيها بعدد الثآليل التي في جسمك حبات شعير يلدي , وادفنها في الارض وبعد سبعة ايام تذهب الثآليل , ولن تعود تراها , وطبعا اذا لم تذهب يجد المبررات , ولا يقتنع بزيف هذا الراي . والشاهد ايها السادة من هذا الكلام ان الكثير من الناس عندهم الاستعداد الفطري لقبول الشعوذات , فلا يجد المشعوذ صعوبة في الوصول الى عقولهم .
الطامة الكبرى ــ دام فضلكم ــ تسمعون بمرض الصرع ــ وقاكم الله السوء ــ , هو مرض يصيب جزءا من الدماغ المتحكم بالحركة , فيقع المصاب على الارض في أي وقت , يتشنج ويرغي ويزبد فيتناقل الناس اخباره , ويتوصلون الى ان جنيا سكن جسمه , وان الشيخ الفلاني او العالم الروحاني العلاني ربنا فاتح عليه , يستطيع اخراج الجني منه فيذهبون به اليه فيمارس عليه الوان التعذيب والضرب بحجة اخراج الجني , وقد يصل الامر حد الموت كما حصل عندنا قبل سنوات , اضافة الى الفتاة التي اعتدي عليها واغتصبت لطرد الجني الكافر منها .
في تقرير بثته العربية نت عن الشعوذة في الجزائر , كمثال على انتشارها في بلاد المغرب العربي , وهذا لا يعني قلة انتشارها في المشرق وبنفس الحجم . يقول التقرير : برغم الجهود الحثيثة التي يبذلها الأئمة والوعاظ والمثقفون , على اختلاف فئاتهم في الجزائر , لتوعية المجتمع لعدم الذهاب إلى "المشعوذين والدجالين" إلا أن الآفة تنمو حتى تجاوز عدد الذين يرتادون بيوت المشعوذين من الجنسين الـ8 ملايين ، أي ما يعادل ربع عدد السكان . والتقديرات تتحدث عن عشرات الآلاف من المشعوذين في طول البلاد وعرضها ، يزورهم الملايين بـ ''إدمان'' وبخاصة النساء . ولبعض المشعوذين شهرة جعلت البعض يقطعون مئات الكيلومترات بحثا عن مشعوذ سمع بـ ''كفاءته''، ويقضون ساعات بانتظار دورهم ، جالبين معهم الأموال والهدايا والحلي .
من أكثر أنواع "الشعوذة شيوعا في الجزائر، سحر المحبة ''التولٌّة''؛ إذ كثيرا ما تلجأ العوانس لهذا اللون من السحر للظفر بعريس محدد ، كما تلجأ إليها الزوجات اللواتي يساورهن الشك في حب أزواجهن لهن . ولا تتردد الزوجات في وضع العقاقير المختلفة في طعام أزواجهن وشرابهم , تنفيذا لتعليمات المشعوذين , ولو أدى ذلك إلى إصابتهم بالمرض جراء تناول هذه العقاقير . وقد انتشر هذا النوع من السحر في السنوات الأخيرة مع انتشار العنوسة التي فتكت بملايين الفتيات . وانتشرت قصص كثيرة عن اكتشاف صور فتيات داخل قبور , وكذا تخييط أفواه موتى وبداخلها مثل تلك الصور .
أما الأخطر مما سبق انتشار السحر الرامي إلى إيقاع الأذى بالآخرين وتدميرهم ؛ حيث لا يتوانى ذوو النفوس المريضة ، عن اللجوء إلى المشعوذين لإلحاق الأذى بخصومهم ؛ كأن تطلب فتاةٌ من مشعوذة أن تسحر غريمتها حتى لا تتزوج ، فتسعى لاخذ أية قطعة من أغراضها الخاصة ، كمنديلها أو صورتها لتدفنها في أحد القبور فتدفن ''سعدها'' أو حظها معها, حسب معتقدها .
ومن أعمال السحر الشائعة أيضا تعليق التمائم أو ''الحروز'' كما تسمى محليا لتكون ''حصنا'' لحامليها ضد السحر والعين وكل شر وأذى . ويلجأ كثيرون إلى السحرة لإخراج ما يعتقدون أنه جن سكن أجسادهم ، حينما يمرون بأزمات نفسية ترافقها اضطرابات ، فيجدون لدى المشعوذين تفسيرا جاهزا , وهو ان جنيا سكن الجسد الآدمي ويقومون بإجراء طقوسهم الخاصة لإخراجه . وأكثر الطرق المتبعة لـ ''إخراج الجني''، هي الضرب المبرح على الإنسي , دون أن يكترث المشعوذ بصرخاته وآلامه المبرحة، ويقول لأهله إن الجني هو الذي يتألم , ويطلب التوقف عن الضرب على لسانه ، فيصدقه الأهل ويجارونه في ذلك , فلا يجد ابنهم وليا ولا نصيرا , حتى يخر مغشيا عليه , أو يسقط جثة هامدة .
اقول : يا ايها الاحبة , خلق الله سبحانه الجان من مادة غير مادة الانسان , والانسان الوحيد الذي سلطه الله على الجان وحكمهم ؛ هو نبي الله سليمان عليه السلام بدعوته : ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ) فليس لأي انسان السيطرة على الجان , قد يوسوس الشيطان لبني البشر ببعض القول اما ان يتلبس الجان به , ويحصل بينهما تزاوج فهذا ما لا يمكن حدوثه . هل يمكن ان يحصل تزاوج بين صقر وعنز , وتنجب منه , وهكذا الحال بالنسبة للجان وبني البشر , والجان قد يوسوس للإنسان اما ان يسكنه فهذا ما سمعنا به في ابائنا الاولين , الا في غول تأبط شرا , و ملحمة سيف بن ذي يزن ؛ وهي ملحمة عربية اغلب فصولها من نسج الخيال .
هل سمعتم ــ دام عزكم ــ مثلا ان رجلا من بني الاصفر لبسه جني , لماذا نحن بني عرب فقط , ام ان الجان الخبيث يجد فينا ما لا يجده في غيرنا . ولكن اقول : اذا تخلّفت الامم فإنها تتخلّف في كل نواحي الحياة السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والحضارية . فتكثر الخرافات والخزعبلات ويجد الدجالون والمشعوذون في هذا الجهل ارضا خصبة لممارسة دجلهم وشعوذتهم . طبتم وطابت اوقاتكم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق